»جريمة في رام الله«.. رواية ضدّ ما يُعتقد أنّه صحٌّ دائماً

قرأتُ عبارة لأورهان باموق يتحدث فيها عن الفوضى الخلّاقة التّي تتركها فينا بعض النصوص الأدبيّة، إذ يقول: «‏في الروايات هناك مساحات ظليلة، مساحات حيث لا أحد فيها على حقّ، ولا أحد لديه الحقّ في أن يقول ما هو الحقّ. وهذا ما يجعلُ من كتابة الروايات أمراً مشوّقاً».

هذه العبارة العميقة تقفز مباشرة إلى ذهني دون تفكير، وأستَشْعِرُها حين أقرأ عملاً ما دون غيره، ذلك أنّ ليس كلّ ما نقرأه يجبُ أن نفسّره بالمسطرة والقلم، فأحياناً قوّة بعض النصوص في كونها لا تخضع للتفسير المُتعارف عليه، خاصّة في تلك المساحات التي عبّر عنها باموق بقوله «الظليلة»، ويمكنُ تفسير ما قاله بأنّ الرواية تعبّر عن البشرية وهواجسها وأحزانها، دون محاولة الخضوع لأحكام الواقع وقوانينه، لذا أعتقد أن الأدب وُجد ليقول كلمته التي تنتصر في الأول والأخير للإنسان الذي وُجد هو الآخر ليستحقّ عالماً وحياة أفضل مهما ان مختلفاً، ذلك أنّ الاختلاف هو أصلُ التشابه، فنحنُ نتشابه كبشر في ما نختلفُ فيه، وهنا تتكثّف قوّة العلاقات الإنسانية، ما يُحيلني لعبارة لعبّاد يحيى في روايته «جريمة في رام الله»، إذ يرى أن القصص الخالدة «التي تدمغُ خيالاتنا الرومانسية وتفتنُنا، هي تلك التي تكسر هذه الحسابات، أو ترفض الاستسلام للخسارة الواضحة، ويقرّر أصحابها المخاطرة والتجريب».

لعلّ هذه العبارة تكشف للقارئ أنّ «جريمة في رام الله» (منشورات المتوسط، ميلانو) روايةٌ تخاطر بقول الحقيقة في شكلها الصادق، تلك التي يحاولُ بعضهم وضعَها في إطار المسكوت عنه، وإلباسها ثوب الصّح والخطأ من منطق المجتمع الذي اعتاد على قول كلّ شيء تحت الطاولة، إذ لم يعتدْ على قول الحقيقة كما هي، فنحن عندما نعرفُ نقوى، وعندما نهادن سنظلّ دائماً بوعي ناقص. يقول الراوي في «جريمة في رام الله": «كلّ شيء ناقص. نقصٌ يحكم كلّ ما حوله. البناية تلك فيها شيء ناقص، المطر ناقص، طلاب المدارس فيهم شيء ناقص، رفوف البضاعة في السو رماركت القريب فيها شيء ناقص».

ففي هذه الرواية سردَ الكاتب الحقيقة الروائية دون كذب، ذلك أنّ الحقيقة الروائية أصدق بكثير من حقائق الحياة التي تلبس دائماً...

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية