الطبخ على نار هادئة

يعرف أكثرنا أن سور الصين العظيم، قد تم بناؤه لصد هجمات القبائل البربرية الشمالية، حيث تناوبت الأسر الحاكمة من أسرة هان، مروراً بأسرة سوي، حتى أسرة منغ، على بنائه، ليمتد من تشنهوانغتاو شرقاً، إلى منطقة غاوتاي غرباً، وجنوباً من منطقة بكين إلى هاندن، بطول يبلغ 21,196 كيلو متراً، ببناء محكم وأسوار عالية، وأبراج مراقبة عديدة، وجند مدججين بالسلاح، على امتداد أبراجه، الأمر الذي جعل فرضية اقتحامه شبه مستحيلة!

الغريب أنّ هذا السور الهائل، تم اختراقه عدة مرات، بهجمات مدمرة للداخل الصيني، ولم يكن ذلك من خلال القفز فوقه، ولكن القضية لم تتعدّ دفع بعض العملات الذهبية لحراس بعض البوابات، ليقوموا بفتحها عن طيب خاطر للجيوش الغازية!

الأمر لا يحتاج لمحاضرات أو أبحاث معمقة، أو هرطقات عُشاق أضواء، فالبلد المتماسك من الداخل، لا يمكن هزيمته أبداً، فالإناء الممتلئ أصلاً، لا يمكن ملؤه بشيء آخر، إلا بعد تفريغه مما به، والمجتمع الذي يتمتع بإرثٍ ثقافي عميق، ولديه اعتزاز بدينه وهويته ومنظومته الخُلُقية، وتزخر ذاكرته برموز وقدوات ملهمة، لا يمكن أن يسقط في امتحانات الضغط الخارجي، ولا أن تبهت ألوانه أمام ريشة التغريب، بل ولو قُدِّر أن يسقط بمنطق القوة، فإنه لا يلبث أن يستمد من تلك الخصوصية ومن ذلك الإرث، طاقة متجددة، لدفع الأقدام الغريبة ودحرها، مهما طال الزمن!

لذا، تكررت قصة اختراق سور الصين العظيم مِن بواباته، وبمعونة حُرّاسه أنفسهم، فالفرد في أي مجتمع، هو أدرى الناس بذلك الكيان، ومِن أين يمكن أنْ يُؤتى، وهو أقدر على إلحاق أذى أكبر بذلك الداخل، لأنه أبعد عن الشبهة، وحتى لا نعمّم النية السيئة المبيّتة، فإنّ البعض يتم استدراجهم للأفكار المفكِّكة لذلك الكيان المتماسك، تحت دعاوى بعيدة كل البعد عن التصريح برغبة التمزيق أو المسخ لهوية ذلك المجتمع!

لن أقول جديداً، إنْ ذكرتُ أنّ أهم مؤسستين لحماية أي مجتمع، هما الأسرة والمدرسة، فهما أشبه بأساسات أي بناء، إنْ كان متماسكاً، كان البناء كذلك، وإنْ كان هشّاً، سقط كل شيء مع أول هزة، والأسرة تقوم أصلاً على الأم، ودورها الخطير في تنشئة الأبناء،...

الكاتب : عوض بن حاسوم الدرمكي
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية