حين تختار الحكومات مَن يعارضها وتحدد دوره

تبدو صناعة الخصوم السياسيين المستأنسين بضاعة تتمتع الأنظمة العربية بميزة نسبية في إنتاجها، بعد أن كفّت عن تصنيعها أغلب دول العالم الثالث، والتفتت إلى تحديث حقيقى لنظمها السياسية، ففتحت الأبواب والنوافذ للمعارضين ليتمكنوا ويكبروا بإرادتهم الحرة، ويكسبوا أي أرض اجتماعية بوسع أقدامهم أن تصلها، ويحصدوا أي رصيد جماهيرى بإمكان قدرتهم على التعبئة والتجنيد والحشد أن تبلغه.

ولو أن المعارضة العربية تمردت منذ وقت مبكر على الدور الذي حددته لها السلطة، وناضلت بإصرار في سبيل الحصول حتى على الحقوق القليلة التي تكفلها لها الدساتير، لكانت هي الحماية الحقيقية ليس للنظم السياسية القائمة فحسب، بل أيضًا للدولة والمجتمع في العالم العربى برمته. لكن هذا التمرد وذلك النضال لم يأتِ أبدًا، أو كان خافتًا ومظهريًا إلى الحد الذي لم ينتج أي دفعة قوية للأمام على درب الديمقراطية.

والحقيقة التي بقيت ناصعة لا تحتاج جهدًا كثيرًا لإثباتها هي أن أغلب الحكومات العربية إما تقوم على تدبير وجود خصومها السياسيين وترسم أدوارهم، أو تسمح لمَن يعى منهم حدوده، ويقبل أن يعمل تحت سقف الخطوط الحمراء الكثيرة، بأن يولد ويستمر ليسهم في مساعدة مَن بأيديهم مقاليد الأمور على استيفاء الإجراءات الشكلية للنظام السياسى العصرى، دون أن يطرأ أي تحسن نوعى على المضمون، اللهم إلا من زاوية الهوامش الصغيرة للحركة السياسية أو الخطوات المحسوبة، التي تبدو من ناحية المظهر نوعًا من التحسن الجذرى، لكنها جوهرًا لا تعدو أن تكون «قفزة في المكان» أو «سيرًا في المحل»، خاصة بعد أن يتم تفريغها من مضمونها عبر حزمة من القوانين والإجراءات، التي يسنها أو يرتبها رجال النظام الحاكم من الساسة وخبراء القانون. وقبل انفجار ثورات وانتفاضات كانت أغلب الدول العربية مُوزَّعة، من حيث اختيار الحكومات معارضيها، بين نمطين، الأول هو وجود حزب حاكم يفرض حضوره مستخدمًا كل مُقدَّرات الدولة لصالحه، يوزعها على مَن يشاء من أتباع أو متعاطفين، ثم يمنح جزءًا منها لأحزاب «ديكورية» تلعب دور المعارضة، بدعوى أن هذا واجب عليه حتى يساعد هذه الأحزاب في أداء دورها السياسى،...

الكاتب : عمار علي حسن
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية