«حقائب الذاهبين إلى السجون»... قصة قصيرة

في محطات القطارات والمطارات لا تلفت الانتباه سوى الحقائب، متراصة كانت أو مبعثرة أو متتابعة على السير الذي يدور بها. وحدها التي تجذب الأنظار، ويحرص من يحملونها فوق أكتافهم، أو يجرونها مندفعة بعجلاتها الصغيرة، على متابعتها جيدا، ويعرف كل منهم كيف يصل إلى حقيبته رغم تشابه الألوان والأحجام، سواء وضع عليها علامة تميزها أو لم يضع، فبينه وبينها حديث طويل لم يكتبه أحد، حتى صاحبها، لكنه لا يمكن أن ينسى تفاصيله.

وحدها حقائب الذاهبين إلى السجون لا ينتبه إليها أحد، ملقاة على الأرض مهملة، أو إلى جانب الجدران المصمتة، أو حتى معلقة فوق الأكتاف، ليصير ثقلها جزءًا من برنامج التعذيب الرهيب. بعض السجناء صارت لديهم خبرة من كثرة الحبوسات المتوالية في اختيار الحقيبة المناسبة، فيعرفون كيف يختارونها مرنة، من قماش سميك، أو بلاستيك مقوى، حتى إن غضب السجان وضربها بقدمه في غضب، لا تنكسر أو تتهشم، فتطل منها عوراتهم.

من الممكن أن يكون هذا الذي حاز خبرة في إعداد حقيبته، قد عرفت الزنازين طعم جسده ورائحته، فحقائب السجون لا تذهب مباشرة من البيوت فالسيارات فالطائرات فسيارات جديدة مثل حقائب السفر، لكن يكون عليها الانتظار في الأركان المظلمة، وإلى جانب الحمامات القذرة في أقسام الشرطة، وعلى الأكتاف المعروقة. كنت واحدًا من هؤلاء الذين امتلكوا تلك الخبرة، فقد قضيت في الحجوزات والسجون أيامًا أكثر مما قضيت في بيتى، منذ أن عرفت طريقى إلى تلك الخلية التي كان زعيمها يقف بيننا ويقول في ثقة: سنغير كل شىء إلى الأفضل.

كنت دومًا أسأل زوجتى، إن تركونى أعود إلى بيتى في أيام استثنائية: ما حال حقيبة السجن؟

كانت تطمئننى إلى أنها على ما يرام. لكن إن طال بى المقام بين الناس في البيوت والشوارع، لا تجد حرجًا في أن تخرج ملابسى منها وتغسلها من جديد، وكأنها تريد أن تزيل منها رائحة السجن السابق، رغم أنها سبق أن غسلتها قبل شهور. تضعها في الدولاب، فأجدها ماثلة أمامى كلما ذهبت لإحضار لباس داخلى جديد لما بعد الاستحمام. أصبحت هي مثلى ماهرة في إعداد حقيبة السجن، الملابس الداخلية، والجوارب التي تنفعنى في برد الشتاء...

الكاتب : عمار علي حسن
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية