الكارثة من المنبع حتى المصب

كم مترًا مكعبًا من دماء المصريين أهدر عبد الفتاح السيسي، وكم مترًا من مياه النيل وفرها وحافظ عليها، خلال ست سنوات، منذ صعوده الإجرامي إلى قمة السلطة؟

قتل السيسي حتى يصل إلى الحكم، ووصل إلى الحكم حتى يقتل.. تلك هي المسألة باختصار، فالذي يريق دماء شعبه بهذه السهولة ليس معنيًا على الإطلاق بالدفاع عن المياه التي تحفظ حياة هذا الشعب، ذلك أن قطرة الدم عنده أرخص من قطرة الماء، فكيف تتوقع ممن أسس جمهورية الدم أن يكون حريصًا على النيل.

دخل السيسي مفاوضات سد النهضة ملطخًا بدماء المصريين، فعرف الطرف الآخر أنه أمام شخصٍ على استعداد لتقديم كل شيء حتى يستتب له الأمر، فلم يكن الجانب الإثيوبي بحاجة إلى ممارسة ضغوط أو مناورات، فالذي يفاوضهم جاء بلا أوراق، وبلا أدنى قدرةٍ على الممانعة. فقط يمتلئ برغبة عارمة في أن يكون حاكمًا لشعبٍ يحارب بعضه بعضًا، وينقسم كما لم يحلم ألد أعدائه، فوقع الجنرال على كل المطلوب منه، وأقام احتفاليةً مبتذلةً بالإذعان والتفريط.

ذهب إليهم السيسي بوصفه حاكمًا لدولةٍ انفصلت عن مدارها الحضاري، ولم تعد تعرف الحد الأدنى من الكرامة الوطنية، إذ لم نسمع عن رخص وانحطاط كهذين إلا مع نظامٍ يباهي بأنه دمية في أيدي صغار اللاعبين فوق رقعة التاريخ والجغرافيا.

ذهب مفاوضًا باسم البلاد التي تحوّلت من الدولة إلى شبه دولة تغوص في مستنقعات الدماء، لا هي تطفو، ولا هي تستقرّ في القاع، إذ تتخبّط عشوائياً في واقع هش، لم تنجح الصور اللامعة والمهرجانات الفاقعة في تجميله.

لم يعرف التاريخ دولةً تخوض معاركها المصيرية، وتدافع عن وجودها وهي منقسمة على ذاتها، وتستعدي نص شعبها على النصف الآخر، وتستعين بأعدائها لإخضاع بعض أبنائها وإفنائهم، وتشن حربًا مسعورة على صفوة عقولها، في السياسة والاقتصاد والعسكرية والثقافة.. دولة تهدر كل مواردها في الإنفاق على الرداءة والقبح.

النيل بالنسبة للسيسي هو المكان الذي تخلص فيه من جثث ضحايا أولى مذابحه، بعد أن أدار بنفسه مقتلة المسيحيين أمام مبنى ماسبيرو في مثل هذه الأيام من أكتوبر/ تشرين أول 2011، ليفيق المصريون على بحيرة دماءٍ تلامس حافة...

الكاتب : وائل قنديل
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية