التغيير الجذري للنظام

من حق أى شعب من الشعوب أن يطالب بتغيير جذرى لأى نظام استبدادى فاشل سياسيًا واقتصاديًا، ولكن يبقى السؤال: كيف؟

إجابة تجارب الانتفاضات العربية كانت فى معظمها ليست فى الاتجاه الصحيح، وما نسمعه الآن فى السودان والجزائر يثير القلق لأنه قد يعيد تكرار نفس تجارب الفشل والتعثر التى عرفتها تجارب عربية أخرى حين تصور البعض أن التظاهر هو فقط القادر على التغيير الجذرى للنظام.

إن مطالبة الجماهير السودانية والجزائرية بتغيير جذرى للنظام، ورفض كل وجوه النظام والأحزاب القديمة، والاحتكام فقط إلى الشارع كوسيلة للضغط على السلطة القائمة، أمر فيه مخاطرة كبرى.

لقد عبّرت الجماهير السودانية العظيمة عن موقفها من المجلس العسكرى الانتقالى، وأصرت على استقالة رئيسه السابق، وقالت لرئيسه الجديد، الفريق ركن عبدالفتاح برهانى: «إذا لم تلتزم بمطالب الثوار فبيننا الشارع والميدان»، وهى جملة سبق تكرارها فى الثورة المصرية، وكانت نتيجتها وخيمة.

المعضلة فى الحقيقة ليست فى ضغط الشارع والجماهير، فبدونه لما سقط البشير وتنحى الفريق عوف، ولما حلمت السودان ببناء ديمقراطية ودولة قانون، إنما فى تصور البعض أن النظام الجديد سيُبنى فقط بصوت الشارع الاحتجاجى.

إن السودان والجزائر وقبلهما مصر وتونس ليست جميعًا مثل فرنسا، التى يمكن أن تتعايش مع صوت السترات الصفراء الاحتجاجى لأشهر طويلة لأن فيها أحزابًا قوية ونقابات راسخة ورئيسى جمهورية وبرلمان منتخبين بشكل ديمقراطى، ففى مجتمعاتنا العربية من المستحيل تصور بناء نظام جديد عن طريق فقط ضغط الشارع ودون امتلاك مؤسسات سياسية وحزبية قادرة على تقديم بدائل ومشروعات سياسية تنهض بالبلاد خطوات للأمام. الاعتماد على ضغط الشارع مطلوب كوسيلة وليس هدفًا، لأن الهدف هو بناء بديل سياسى للنظام القديم، ولو ظل هذا البديل مجرد صوت احتجاجى وتظاهرات يومية، فإن الوضع سيزداد هشاشة وضعفًا، وسيقع فى جعبة الأكثر تنظيمًا وقوة، أى المؤسسة العسكرية.

ستبقى مشكلة تجارب الثورات العربية فى تلك النظرية الخاطئة التى ترفع طول الوقت شعار: «إسقاط كل أركان النظام القديم»، وتختزلها فى إقصاء كل...

الكاتب : عمرو الشوبكي
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية