الملك لير.. سرُّ عظمة مصر

تسألونَ عن سرِّ عظَمة مصرَ وإعجازية بقائها وصمودها فى وجه الزمان؟ لا تسألوا وحسبَ الإرثَ الحضارى العظيم، الذى صكَّ لها صكَّ الخلود، ولا النيلَ يجرى فى شرايين جسدها منذ فجر الأزل يمنحُها الرّى والقداسةَ، ولا تسألوا عشرات القرونَ ترتمى تحت قدميها دهرًا فى إثر دهرٍ، بلِ ابحثوا عن الإجابة فى دماء فنانيها العظام. الفنُّ الرفيعُ هو صخرةُ مصرَ القدسيةُ تذودُ عنها تعاويذَ الظلام وغيلات العِدى وصروف الزمان. الفنُّ ظهيرُ مصرَ الصمودُ يحمى قلبَها، مثلما يحمى ظهرَها جيشُها القوى.

«الملك لير» التى تُقدَّم الآن على مسرح «كايرو شو/ الماركى، تثبتُ أن القطاع الخاصَّ قادرٌ على التحمُّس للأعمال الجادَّة الصعبة، المكلَِفة الثرية التى تجمع كوكبة مدهشة من النجوم الثِّقال، الذين واحدُهم بوزن مَجرّة بأسرها. فى عرض الافتتاح، السبت الماضى، نظرتُ أمامى إلى خشبة المسرح حيث بذخ الإنتاج وأناقة الملابس والديكور والإضاءة، ونظرتُ خلفى حيث قاعة المسرح الهائلة حاشدةً بالجماهير، فتأكدتُ أن الفنَّ الرفيع لم يفقد مَن يُراهنُ عليه، وقادرٌ على جذب الجمهور المتعطش للرُّقى والأناقة والأصالة، وسط ركامات الهبوط. تحية احترام للمنتج مجدى الهوارى الذى تحمّس لإنتاج هذا العرض السَّخى، وحشَدَ على شرف شكسبير تلك القامات الشاهقة.

والكلامُ على الكلامِ صعبٌ، كما قال أبوحَيّان، فكيف يكون الكلامُ على الجمال؟! تجاوُزٌ وفقرٌ عن التعبير؟ دون شكّ. لهذا بوسعى أن أختصر تعليقى على هذا العمل الفاتن: «الملك لير» بعبارة: (شىءٌ اسمُه الـ Perfection). وآثرتُ استخدام الكلمة الأجنبية لكى أختصرَ جميعَ مُحمّلاتها ودلالاتها العربية فى كلمةٍ واحدة: الكمالُ، الإتقانُ، التمامُ، النموذجُ، الحُسن.

العظيم فاروق الفيشاوى أدمَى قلوبَنا مصلوبًا تُقتَلع عيناه من مآقيهما، ليدفعَ نورَ بصره ثمنًا لنبله وولائه للقيم. فأضحى يتوكأ على عصاه بعينين عمياوين، يقودنا نحن المبصرين لكى نرى سَوءاتنا ونتطَّهرَ من خطايانا. يقوده ابنُه المغبونُ (أحمد عزمى) فى أسمال الشحاذين، يتحيّنُ الفرصةَ ليختلسَ قُبلةً على يدِ أبيه، فتطفرُ عيونُنا بالدمع والحسرة....

الكاتب : فاطمة ناعوت
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية