حكاية «ربما» وأخواتها

من دفتر الأحوال

الحكاية التي ستقرأها حالا، خيالية طبعا، ومع ذلك فلست أدعي أنها خيالية تماما ، وعلي العموم هي مجرد حكاية والسلام..

يقول الراوي:

.. صدقني، لو كنت رأيته أيامها ما استطعت أبدا أن تتبين من ملامحه إن كان شابا أم كهلا، فكل ما في منظره يبدو ملتبسا حائرا لا يستقر علي حال.. يعني مثلا: شعر رأسه كان وقتها خليطا عشوائيا من بياض الشيب والسواد الغطيس، كما أن هيئته عموما رثة مهرجلة تشي بتواضع حاله، بيد أنه أحيانا قد يعافر ويلوث هندامه بشيء من الأناقة الريفية.

باختصار، لم يكن صاحبنا قادرا علي أن يثير أي اهتمام بوجوده واحتلاله مساحة من الفراغ، كما كان حضوره أضعف من أن يترك عند الناظر إليه أي انطباع.. بل قد لا يلحظه هذا الناظر أصلا، حتي أن العابرين علينا في المقهي البائس الذي كان يجمعنا آخر الليل، لم يحدث أبدا أن واحدا منهم وجه له كلاما، ولا اهتم بالسؤال عن اسمه أو شغلته.

كان هذا الشخص إذا داهمنا في المقهي يجلس في قلب اجتماعنا، ومع ذلك يغرق في حال انزواء غامض وكأنه مكسوف خجلان من شيء ما.. ربما تسرب إلي مسامعه خبر ما كان يتهامس به بعضنا بشأن علاقته المشبوهة ببعض الجهات وتطوعه المتفاني في خدمتها وعدم تردده في تنفيذ مهمات ومأموريات قذرة (هل هناك مهمات من هذا النوع نظيفة ؟) ضد حتي الذين أغرقوه بأفضال وهدايا تثقل كاهله.. لكنه ربما أيضا لم يسمع شيئا ولا خبرا عن تلك الهمسات غير أنه تعود أن يتصرف ويحضر وسط الناس بهذه الطريقة الملتبسة بسبب مقتضيات وظيفة الواشي التي توسل بها (مثل كثيرين غيره) واعتبرها سلم الصعود الوحيد المتاح لأمثاله الفقراء من مواهب ومؤهلات العمل في الصحافة والكتابة وخلافه.

وبمناسبة ربما التي تكررت مرتين في الفقرة السابقة، فإن راوي هذه القصة يحكي وهو يكاد يموت من الضحك، الحادثة الآتية :

ذات مساء رائع، كان صاحبنا المذكور أعلاه قد اقتحم قعدتنا علي المقهي وتبوأ مكانه المنزوي علي حافتها، وبقي كعادته منطويا مستترا خلف صمته وغموضه وسكونه التام، غير أننا فجأة سمعناه ينطق بصوت خفيض مكررا كلمة ربما بالذات.. كانت هذه الكلمة هي آخر ما نطق به واحد...

الكاتب : جمال فهمي
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية